Friday, 13 December 2019 09:06

الدادائية: الحركة التي لا تؤمن بشيء حتى بمبادئها

]Dada art-Raoul Hausmann ]Dada art-Raoul Hausmann

 

تأسست الدادائية كرد فعل على الحرب العالمية الأولى. ففي شباط من عام 1916 تجمع بضعة مثقفين وفنانين ليعلنوا إنطلاقة حركة دادا في مقهى فولتير في مدينة زيورخ السويسرية. لم يدرك وقتها الشاعر الروماني تريستان زارا الذي هرب من التجنبد الإلزامي في بلده ليلجأ إلى سويسرا، المحايدة في الحرب ذلك الوقت، والذي صاغ مع الشاعر والفيلسوف الألماني هوغو بال بيان تأسيس هذه الحركة الإشكالية، أنها سوف تتوسع في أوروبا وأميركا وأنها سوف تستقطب أهم الأدباء والفنانين كماكس إرنست، هانز أرب، مارسيل دوشامب، مان راي، جورج غروز، كورت شويترز وآخرون.

مارسيل دوشامب 

ولكن ما هي الدادا؟ هل هي فن؟ فلسفة؟ حركة سياسية؟ دينية؟ هل هي أسلوب حياة ام هي لا شيء؟

لفظة "دادا" التي أختيرت من القاموس بشكل إعتباطي "لا تعني شيء على الإطلاق" بوصف تريستان تزارا ولكن بحسب هوغو بال فإن دادا تدل على معاني كثيرة، ففي الرومانية دا دا تعني نعم، نعم و بالفرنسية تعني دمية الحصان الهزاز.

قد تختصر الطريقة التي إختار فيها الدادائيون إسم حركتهم جوهر الدادا. فلقد سعت الدادائية، وهذا ما يميزها عن غيرها من الحركات الفنية الناشئة في ذلك الوقت، للتخلي عن مفهوم العلاقات السببية في التعبير و التحرر من قيود المنطق وكل ما يعوق حرية التعبير والتفكير ويحد من التلقائية، السمة الأساسية للدادائية. لقد قامت الدادائية ضد الفن المكرس التقليدي. كما أنها حاربت لكي تمنح الفن بعده الإجتماعي وتحرره من سلطة البرجوازية.

وسّع الدادائيون تقنية الكولّاج والتجميع المستوحاة من التكعبيبة لتصبح مفهوماً يشمل أشكال متعددة من التعبير لا تقتصر على "اللوحة" وإنما تتعداها لكي تطال الشعر كما فعل تزارا حين قام بقص قصاصات ورقية تحوي على كلامات وعبارات من مقالات صحفية ووضها بكيس وخضها جيداً ثم تركها تتناثر على طاولة ليعود ويرتبها بشكلٍ إعتبطاي لتنشأ قصيدة كولاج من نظم الصدفة.

كورت شويترز 

طورت الدادائية العديد من أشكال التعبير الأكثر ابتكاراً في القرن العشرين مثل "الريدي ميد"، كما في أعمال دوشامب و"الفوتومونتاج" الظاهرة في أعمال مان راي، بالإضافة إلى الإستخدام الفني للتصوير السينمائي والفوتوغرافي. كما أثرت بظهور مدارس فنية أخرى كالسورالية والدادائية الأميريكية الجديدة حيث يظهر تأثير كورت شويترز، مؤسس حركة “ميرز" والذي يجسد الخط الفرداني والفوضوي، في حركة دادا، على أعمال الفنانين الأمريكيين وخاصةً روبيرت روشنبرغ.

روح"الأناركيزم" أو اللاسلطوية الفوضوية موجودة في كل الإنتاجات الدادائية الأدبية والفنية والمنشورات النظرية، كما في البيان الأخير الذي ألقاه تزارا ،العصب الأساسي في الدادائية، نهاية عام 1921 معلناً نهاية هذه الحركة " إن دادا تشق طريقها وهي ماضية لا في التوسع ولكن من أجل تخريب ذاتها وهي لا تسعى إلى نتيجةٍ أو مجدٍ أو حتى فائدة. فقد كفت نهائياً عن الكفاح لأنها تدرك أن ذلك لا يخدم غرضاً ما. لقد عبرت دادا عن حالتنا الذهنية الساخرة وكانت للرافضين من أمثالنا نقطة الإرتكاز بين النعم و لا، ولأن دادا كانت لا تؤمن بشيء حتى بمادئها فإني أعلن نهايتها اليوم"

إستاطعت الدادائية، خلال نشاطها الذي إستمر لخمس سنوات، نشر أفكارها الجمالية، الأدبية والسياسية بشكل سريع وأن يصبح لها أتباع في برلين ونيويورك وباريس وطوكيو. قد يكون الجانب التبشيري المرتكز على مفهوم "البروبوغاندا" أو الدعاية الإعلامية من جرائد و محاضرات ونشر البيانات إلى المظاهرات والمناظرات هو أحد أسباب هذا الإنتشار الواسع بلا شك ولكن أيضا لأنها نشأت إحتجاجاً على الحرب وكردة فعل على الفن السائد في ذلك الوقت.لقد سعت الدادئية لإلغاء الحواجز ما بين الفن والحياة.

روبيرت روشنبرغ

قد يكون تأثير الدادائية محدوداً في عالمنا العربي مقارنة بتأثيرات حركات وإتجاهات فنية أخرى وافدة من الغرب. حتى إن استخدام تقنيات كالكولاج والتجميع في أعمال بعض الفنان العرب لا يجعلها تنتمي ،فكرياً ومفاهمياً، للدادائية.

وعلى الرغم من الهجرة الواسعة التي طالت العالم العربي بعد الثورات العربية التي إستحالت معظمها إلى حروبٍ طاحنة وتجمّع العديد من الفنانين في بلاد اللجوء إلا أننا لم نشهد نشوء، على الأقل حتى الأن، حركات مماثلة للدادائية. فشرطا اللجوء و الإحتجاح على الحرب والعنف لا يكفيان لتأسيس حركة مشابهة ذات طابع عربي . لكن علينا ألا ننكر أن الفترة الماضية شهدت معارض جماعية و تظاهرات ثقافية تمركز معظمها في بلاد المهجر و كان لها دور كبير في تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي خلفّتها كوارث الحروب. ليس المطلوب أن ينتج الفنانون العرب المهاجرون حركة فوضوية كالدادائية فالتراكم المعرفي والثقافي في أوروبا لا يشبه نظيره في عالمنا العربي، ولكن عليهم، ربما،ضمن شرطهم الجديد أن يعيدواالنظر بمفهوم ودور الفن اليوم.

محمد عمران

Last modified on Friday, 13 December 2019 09:37
Powered by OrdaSoft!